القرطبي

154

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة ، فقال مرة : لها جميع الصداق ، وقال مرة : لها نصف الصداق ، وهذا ينبنى على اختلاف قوله : بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول ؟ قولان . الثالثة - قال ابن خويز منداد : واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا ؟ فقال بعض أصحابنا : ليس على الزوجة خدمة ، وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ، ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة ، وإنما هو عقد على الاستمتاع ، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره ، فلا تطالب بأكثر منه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ( 1 ) " . وقال بعض أصحابنا : عليها خدمة مثلها ، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك ، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل . وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم ، وذلك أن الله تعالى قال : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " . وقر جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الامر وحديثه بما ذكرنا ، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ، ولا يسوغ لها الامتناع ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ، ويأخذونهن بالخدمة ، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك . الرابعة - قوله تعالى : ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) حدود الله : ما منع منه ، والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش ، وأحدت المرأة : امتنعت من الزينة ، ورجل محدود : ممنوع من الخير ، والبواب حداد أي مانع . وقد تقدم هذا مستوفى ( 1 ) . وإنما قال : " لقوم يعلمون " لان الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده . والعالم يحفظ ويتعاهد ، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال .

--> ( 1 ) تراجع المسألة الخامسة والثلاثون ج 2 ص 337